Yahoo!

المسافر نحو النسيان

كتبها lawyer abd aljaleel alasadi abd ، في 18 كانون الثاني 2012 الساعة: 21:21 م

المسافر إلى مملكة النسيان
ومضات من سيرة حياة الدكتور صلاح الدين الناهي

بقلم المحامي: عبد الجليل الاسدي


على الضفة الشرقية من نهر دجلة وفي العمارة مركز مدينة ميسان  وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت ولادة صلاح الدين بن عبد اللطيف قمري زادة.
أسرته آل قمري زاده هاجرت من الحجاز قبل أكثر من ثلاث قرون واستقرت في إنطاكية وفيها ولد والده عبد اللطيف الذي عين فيما بعد مدرساً في المدرسة الرشدية في العمارة ثم مديراً لها .. وبعد زواجه من ابنة الشيخ (عبد الوهاب) وهو من كبار المزارعين في مدينة العمارة توفي في فترة سنوات الحرب العالمية الأولى كما توفيا شقيقة وشقيقته الصغيرين ليعيش وحيداً يتيماً وهو في سن السابعة في رعاية جده لأمه الذي توفي هو الآخر ما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها.
منذ طفولته كان صلاح الدين مجتهداً على مطالعة كتب الأدب والشعر والتاريخ وأكمل دراسته حتى تخرج من دار المعلمين في حلب بعد اجتيازه  الامتحان في استانبول وبعد تخرجه عين في سلك التعليم…… ثم كاتباً في بلدية بغداد حتى حانت لحظة التحول الكبرى في حياته وهي التحاقة بكلية الحقوق في بغداد  عام  1934  بعد اجتيازه امتحان الثانوية وجاءت لحظة القدر في مرحلته الثانية يوم وقع بصر الدكتور عبد الرزاق السنهوري عليه وكان الأخير عميداً لكلية الحقوق العراقية للعام الدراسي 1935-1936 إذ لامست عبقرية السنهوري عبقرية صلاح الدين الناهي حتى رشحه السنهوري مع أربعة آخرين للدراسة خارج العراق … يومذاك واصل صلاح الدين الناهي دراسته في الجامعة المصرية في القاهرة حيث انفتحت أمامه الآفاق فانكب على مواصلة الدرس وتحصيل العلم فقرا مؤلفات كبار العلماء العرب مثل كتب الجاحظ وكتاب الموافقات للشاطبي وفي أوائل عام1939  تخرج ليشد الرحال إلى فرنسا لتحصيل شهادة الدكتوراه  في القانون وهناك زاد شغفه العلمي فاطلع على مؤلفات فولتير وكبار كتاب النهضة الأوربية ……… لكن شغفه لم يستمر وحلمه لم يتحقق إذ اندلعت الحرب العالمية الثانية فاضطر إلى السفر إلى (بواتيه ) جنوب فرنسا إلا انه وبعد شهور عاد إلى بغداد تاركاً فرنسا في قبضة جيوش هتلر…ليعين مفتشاً في مديرية لآثار القديمة التي كان يديرها ساطع الحصري وبعد ان امضي (11) شهراً في عمله الجديد اندلعت ثورة رشيد عالي الكيلاني في مايس 1941 التي سرعان ما أخمدت ومعها كانت الانفراجة الكبيرة في مسيرته العلمية إذ أعادته وزارة المعارف إلى مصر لمواصلة الدراسة من جديد  فحصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق عام 1945.
بعد انتهاء العالمية الثانية عاد إلى كلية الحقوق في بغداد وهذه المرة مدرسا لمادة القانون التجاري ثم أستاذا في كلية التجارة والاقتصاد (الإدارة والاقتصاد ) حالياً إضافة إلى تدريسه طلبة قسم القانون في الجامعة المستنصرية كما تولى عمادة كلية التجارة والاقتصاد للأعوام 1948 - 1951 .ومن ثم عمادة كلية الحقوق في بغداد عام 1961 .
كان الدكتور صلاح الدين الناهي استاذا بارعا ذا مقدرة علمية فائقة وأسلوب علمي رقيق أهله لان يكون في موقع الصدارة بين الطلبة والاساتذه على حد سواء كما انه وبفضل منزلته العلمية أسهم في عملية إصلاح مناهج التعليم التي اعتمدتها جامعة بغداد عام 1967
برزت عبقرية الدكتور صلاح الدين الناهي في الدراسات القانونية المقارنة  فقد نال هذا الباب من أبواب العلم القانوني اهتمامه متبعاً خطى أستاذه المرحوم الدكتور عبد الرزاق السنهوري حتى انه صنف في هذا المجال أهم كتبه وهو كتاب (النظرية العامة في القانون الموازن وعلم الخلاف) كما أسهم وبشكل فعال في تأسيس جمعية القانون المقارن العراقية مع نخبة من أساتذة القانون في عام 1967 وبعد إحالته على التقاعد ترأس الناهي الجمعية لمدة تسعة سنوات حتى تخلى عن رئاستها إلى نائبه القاضي ضياء شيت خطاب رئيس محكمة تمييز العراق ( 1979-1982) كما ترأس تحرير مجلة القانون المقارن التي صدر عددها الأول في العام الذي تأسست به جمعية القانون المقارن .
ترك الدكتور صلاح الدين الناهي عطاءً علميا ثراً فقد امتلأت بكتاباته بطون المجلات والدوريات التي أغناها بالمئات من البحوث العلمية المحكمة والمقالات فنشر في مجلة القانون والسياسة التي تصدرها كلية القانون في جامعة بغداد وفي مجلة القضاء التي تصدرها نقابة المحاميين العراقيين ومجلة سومر التي تصدرها مديرية الآثار , إضافة للدوريات العربية والعالمية .
 بتاريخ 1/3/1967 تشرفت نقابة المحامين العراقية بقبوله في عضويتها ليكون احد رواد مهنة المحاماة متخصصاً في الدعاوى التجارية حتى ضاقت به الأفاق فشد الرحال إلى المملكة الأردنية الهاشمية حالة كحال العشرات من أساتذة القانون في العراق الذين شدوا الرحال نحو المنافي ليستمر إبداعه الفكري في الجامعة الأردنية  استاذاً وعالماً وباحثاً ومفكراً إذ أشرف على تخريج الآلاف من طلبة القانون إضافة إلى وضعة العديد من المؤلفات التي أثرت المكتبة ا لعربية ليس في مجال اختصاصه القانوني بل في شتى مجالات الفكر والمعرفة فالدكتور صلاح الدين الناهي كان موسوعيا طرق مختلف أبواب العلم والثقافة وكان من رواد القصة في العراق بمجموعتين قصصيتين هما أقاصيص شتى" صدرت عام1949، و "تثنية الأقاصيص"صدرت عام 1952. كما ان له مسرحية مثلت عام 1962 هي مسرحية ( الرجل صاحب المظلة ). كما تطرق إلى مجالات أخرى فكتب وحقق العديد من كتب التاريخ  وكتب عن الحياة وعن آداب الشعوب والمرأة والطفل والتاجر والفلاح ………….الخ .
وأخيرا فان الدكتور صلاح الدين الناهي لم ينتم إلى حزباً ولم يعتنق السياسة وكان وفياً مخلصاً لعلمه وفكره وأدبه وقبل ذلك كان مخلصاً وفياً لوطنه الذي فارقه مهاجراً إلى المملكة الأردنية الهاشمية ومن ثم إلى محطته الأخيرة في تركيا حيث انقطعت عنه السبل فلم تعرف أخباره لحد يومنا وكأن  حال الكثير من مبدعي العراق الذين رحلوا إلى مملكة النسيان  فأنطفئ نورهم وخبا صوتهم بعد ان أضاءوا الدنيا وملئوها نوراً وزهواً ومع هذا الواقع المحزن فأن عبقرية الدكتور صلاح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أوراق متساقطة اوراق متساقطة : علماء ومفكرون وادباء رحلو الى العالم الاخر عام 2011

كتبها lawyer abd aljaleel alasadi abd ، في 18 كانون الثاني 2012 الساعة: 09:25 ص

بقلم المحامي : عبد الجليل الاسدي :

مضى عام 2011 مسرعاً بأحداثه ومتغيراته .. لكنه سيبقى في ذاكرة العراقيين على انه العام الذي تساقطت فيه أوراق العشرات من العباقرة والمبدعين من العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين ومن محترفي السياسة في هذا البلد الذي اعتاد أهله على الموت الذي أمسى يرافقهم منذ عشرات السنين يزورهم بإشكال وألوان مختلفة …والموت في عام 2011 مر كسابقة من الأعوام إلا انه جاء هذه المرة على عشرات المبدعين الذي أعلنوا فيه الرحيل منهم من تنفس عبير العراق قبل ان يطويه ثرى العراق ومنهم من أكلت روحه ونهشت قلبه المنافي وقضى بعيداً عن أهله ووطنه وبعضهم من أخذتهم الأقدار والبعض الآخر طالتهم يد الغدر والإرهاب…

(علماء , أدباء ، فنانون , مفكرون)  رحلوا عنا عام 2011 ففي 12 أيلول/سبتمبر 2011 بكت كهرمانه ونعت مبدعها وآخر من تبقى من جيل العمالقة الفنان العالمي محمد غني حكمت ابن بغداد الذي أنجبته عام 1929 عاشقها الذي أودع في ساحتها قلبه وروحه وفكره وأجمل ما صنع أزميله من التماثيل والنصب والجداريات فقد أغمضت عينيه وغفا غفوته الأخيرة في العاصمة الأردنية عمان بعيداً معشوقته بغداد التي أهداها هديته الاخيره وهي النصب الأربعة التي تعد آخر إبداعات محمد غني حكمت , وقبله أخذت يد القدر الأديب والدبلوماسي المحامي هلال ناجي الذي ودعنا  يوم 30 /1/2011 بعد ان ترك تراثا أدبيا وفكرياً ضخماً احتواه ما يزيد على التسعين من الكتب المؤلفة أو المحققة. كما أفل نجم لطالما لمع في سماء العراق هو عالم الآثار العراقي الشهير الدكتور دوني جورج المولود في (23 تشرين الأول، 1950م) والذي سبق وان شغل مناصب مدير عام للمتاحف العراقية ورئيس هيئة الآثار العراقية بعد ان عاش مغترباً  منذ آب 2006م. حتى انتهت غربته حينما توفي في العاصمة الكندية تورنتو يوم 11-3-2011  كما شاءت الأقدار أن ينضم إلى قافلة الرحيل الفنان لوثر ايشو أدم المولود في العمادية- دهوك- عام 1955 . يعود إلى ( مسقط رأسه) ليتوسد جسده ثرى قريته (كوماني) في العمادية بعد أن خذله قلبه وسقط بالجلطة القلبية صباح يوم السبت 18/6/2011. وفي عام 2011 نعى نخيل البصرة  احد أعمدة الشعر الشعبي (ومتنبية )  الشاعر الشعبي عبد الحسين الحلفي الذي رحل عن عالم الشعر وعن هذه الدنيا معوزاً معسراً ليستسلم اخيراً لمرض تصلب الجلد وعلى نهج سياب البصرة ورائد الشعر الحر ومبدع القصيدة الحديثة في الشعر العربي  وعلى هذا القدر المكتوب سار أدباء وفنانوا البصرة الكبار الذين تساقطوا الواحد تلو الآخر معوزين معسرين مطاردين أو منفيين فقد حصد الموت يوم 12/3/2011 الكاتب والناقد قاسم علوان المولود في البصرة عام 1952 وهو أستاذ مادة التمثيل والنقد الفني والدراما في معهد الفنو ن الجميلة في البصرة  . وفي ليلة 15 /3 /2011 رحل خليل المياح المناضل اليساري الذي إشهر في كتاباته "، بمزاوجته للكتابة الفلسفية والسياسية والأدبية - صاحب كتاب"استقلالية العقل أم إستقالته"  الصادر عن دار الينابيع في دمشق نهاية عام2010 ، وبعيداً عن جنته  سقط صاحب كتاب (البصرة..جنة البستان) الشاعر(مهدي محمد علي) المولود في البصرة عام 1945، والذي هاجر منفياً منذ عام 1978 لكنه ترك قلبه معلقاً على جذوع نخيل البصرة  حتى ودع هذه الدنيا ليلة 27 / 28 من شهر كانون الأول يسمبر من عام 2011 في إحدى مستشفيات مدينة حلب السورية  , وفي البصرة لم تكتمل لوحة عنوانها احد رواد الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة الفنان التشكيلي محمد راضي عبد الله المولود فيها عام 1934, الذي رحل  يوم السبت 23تموز 2011 . وفي يوم  الأربعاء 7 كانون الأول 2011 كتب احد رواد القصة العراقية القصيرة في العراق مع مهدي عيسى الصقر وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي السطر الأخير من سيرته التي هي بحجم كف القدر ليستسلم لمرضه مودعا هذه الدنيا  انه القاص محمود عبد الوهاب المولود عام 1929 ، تاركا خلفه العديد من الإصدارات منها ( رائحة الشتاء، رغوة السحاب ، و ثريا النص ، وأخيراً ,  سيرة بحجم الكف ). كما امتدت يد الموت لأدباء ومفكري الجنوب فقد رحل السائر على جسر الجمر والنار زمناً طويلاً رحل رحيم الغالبي ابن الشطرة المولود فيها عام  1949 بعد أن قدم أجمل أشعاره في مجموعة الشعرية (جسر من طين)، (قصائد للوطن والناس) توفي في مسقط رأسه  اثر حادث حريق يوم 25/6/2011. كما سقطت نخلة جنوبيه باسقة هي الأديبة المندائية ناجية غافل المراني  المولودة في عام 1918 م في العمارة بعد أن تركت خلفها العشرات من البحوث والكتب المترجمة وكتبت قبل  رحيلها في الأول من تموز عام 2011 مرثيتها التي أوصت فيها بدفنها بين نخيل الجنوب العراقي (( في غـــدٍ يا أهــلُ إن حُمَّ الرحيل وانثنـــى خـلٌّ لـتـــوديع الخليــــل         انثروا حـولي زهور الياسمين واجعلوا قبــــري في ظلّ النخيــل)).

وفي الأيام الأخيرة من عام 2011 رحل الشاعر خزعل طاهر المفرجي في ميسان بعد صراع مع مرض سرطان الرئة يوم 26/12/2011 بعد أن ترك خلفه العشرات من المجموعات الشعرية المطبوعة والمخطوطة , كما انتهت في عام 2011 عذابات الشاعر علي الشباني المولود مدينة الديوانية والمعتقل  عام 1963 , كأصغر السجناء  السياسيين خرج من سجنه وصمته إلى موته في يوم 2/10/2011 تاركاً خلفه تراث شعري عظيم أخرجه في مجموعات شعرية منها (خطوات على الماء) و(أيام الشمس) و(النار بطعم الأرض). وفي يوم 12/7/2011 وفي مملكة الدنمارك إحدى ممالك جنوب المنطقة الاسكندينافية في أوربا البعيدة عن بلادنا  أعلن عن نهاية غربة الأديب والقاص عبد الله نيازي  المولود في قلعة صالح, في العام 1926, تاركا خلفه أثاراً  أدبيه هامة كرواية "نهاية حب", صدرت في بغداد في العام 1949,"وأناهيد عام 1953 ليبقى في ذاكرة الأدب العراقي الحديث كأحد رواد القصة في العراق.  في عام 2011 المحامي زكي جميل حافظ الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب بعد 60 عاما قضاها في خدمة المحاماة وافاه الأجل في يوم 10//201112 ودفن في عمان كما انتقل إلى رحمة ربة المحامي اسود المنشدي نقيب المحامين الأسبق  مساء يوم الأحد 13/2/2011 . وفي بغداد اغتالت فرق الظلام الإرهابية الأستاذ الدكتور محمد العلوان الجرّاح الاختصاص وعميد كلية الطب بالجامعة المستنصرية في بغداد. اغتيل مساء يوم الثلاثاء المصادف التاسع والعشرين من شهر آذار 2011 بعد أن كان قد أنهى علاج مرضاه في منطقة المنصور ببغداد أمام مقر عيادته . وودعت جامعة الموصل مؤسسها الدكتور الجليلي المولود في الموصل عام 1921 بعد ان توفاه الله في يوم الأربعاء 17 تشرين الثاني . كما  طالت يد الموت في عام 2011 المبدعين أبناء الأسرة الصحفية في العراق كالأستاذ رشيد الحمداني المولود في الفلوجة في محافظة الأنبار بتاريخ 1/2/1962 وهو عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين ورئيس اللجنة المهنية فيها رئيس لجنة التدريب وتطوير المهنة , رئيس لجنة الصحافة الاستقصائية ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كلية الحقوق في بغداد 1908-2008 تاريخها ودورها في بناء الدولة العراقية الحديثة

كتبها lawyer abd aljaleel alasadi abd ، في 30 كانون الثاني 2012 الساعة: 17:36 م

 

 

المحتويات
المقدمة
المبحث الأول/ مدرسة الحقوق
المطلب الأول /مدرسة حقوق استانبول 1886-1908
المطلب الثاني/ مدرسة حقوق بغداد العثمانيه 1908 -1914
المطلب الثالث مدرسة حقوق بغداد في ظل الاحتلال البريطاني1914-1921
المطلب/ الرابع مدرسة الحقوق في ظل الحكم الوطني1921-1936
المبحث الثاني/ كـلية الحقوق
المطلب الأول/ كـلية الحقوق في عهد الدكتور عبد الرزاق السنهوري1935- 1936
المطلب الثاني كلية الحقوق في عهد ما بعد الدكتور عبد الرزاق لسنهوري1936- 1958
المطلب الثالث/ كلية الحقوق في عهد العراق الجمهوري

الفرع الأول/ 1958 - 1969
الفرع الثاني /كلية القانون والسياسة/1969-1988
الفرع الثالث /كلية القانون /1988-2008
المبحث الثالث /رسالة كلية الحقوق
المطلب الأول /بناء الدولة العراقية الحديثة
الفرع الأول/تكوين النخبة السياسية
الفرع الثاني /بناء الإطار الفكري للدولة العراقيه
الفرع الثالث /بناء البيئة القانونية في العراق
المطلب الثاني /بناء القيم الاخلاقيه لدولة العراق الحديث
الفرع الأول نبذ الطائفية والتفرقة
الفرع الثاني /ترسخ قيم المواطنة
الخاتمة

 

 

 

المقدمة

 

لم تكن كلية الحقوق في  بغداد (القانون حاليا) بالحال التي أصبحت عليه في العام 1935 وهو العام الذي وصل فيه العلامة السنهوري للعراق بعد ان انتدبته حكومة العراق آنذاك عميدا لها.
وللكلية التي ستكمل هذا العام المائة  سنه من عمرها تاريخ طويل يمتد إلى ماقبل قيام الدوله العراقية الحديثة ويبدأ ذلك التاريخ من اسطنبول عاصمة الامبراطورية العثمانية حيث كانت مدرسة الحقوق العثمانية هي الملاذ الوحيد للراغبين في دراسة القانون من العراقيين ثم أتيحت الفرصة لفتح كلية الحقوق في بغداد العام 1908 وبذلك تكون الكلية أقدم الكليات التي أسست في العراق، وهي نواة التعليم الجامعي الحديث في العراق  وإضافة لدورها في تأهيل وتثقيف النخب السياسية التي لعبت أدوارا مهمة في تاريخ العراق الحديث فإن الكلية نفسها أثرت فكريا وسياسيا في إنشاء وتأسيس دولة العراق الحديث.

المبحث الأول

مدرسة حقوق بغداد

المطلب الأول/ مدرسة حقوق الاستانة

1868 - 1909

بدأ التعليم الجامعي في الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكانت بداية إنشاء الكليات العالية نتيجة الحاجة لإعداد كوادر للمحاكم التي تأسست على الطراز الغربي بعد التنظيمات حيث إن النشاط التدريسي العثماني في هذا المجال بدأ مع صدور قانون المعارف العام " معارف عمومية نظامنامة سي في 20 أيلول 1869 وقوانين ونظامات درسخانه فأنشأت (دار تدريس القوانين والأنظمة) في تموز 1870م إذ أقامها ناظر العدلية احمد جودت باشا في ديوان الأحكام العدلية، وظلت هذه المدرسة تابعة لوزارة العدلية حتى سنة 1885 حيث الحقت بوزارة المعارف وفي 4 صفر 1304 هـ الموافق 31/10/1886 م تأسست في اسطنبول مدرسة الحقوق باسم (مكتب حقوق شاهانه) أي مدرسة الحقوق السلطانية، وكان ذلك نتيجة حركة الإصلاح الكبيرة التي قام بها رجال الدولة العثمانية المتأخرون والمتأثرون بالمد الأوربي الذي صدرته إليهم وللعالم الثورة الفرنسية في أوائل القرن التاسع عشر وشمل الإصلاح سن القوانين على ضوء تقنينات الدول الاوربيه الحديثة ونتج عن ذلك ضرورة دراسة وتدريس تلك القوانين للشعب فكان السبب الأهم في تأسيس مدرسة الحقوق في اسطنبول التي استقطبت طلبتها من مختلف أرجاء الامبراطورية العثمانية ومنهم الطلبة العراقيون الذين تبوؤوا فيما بعد المناصب القضائية والادارية المهمة فضلا عن ان خريجيها عملوا في مهنة المحاماة التي قصرت فقط على حاملي شهادة مدرسة الحقوق ومن العراقيين الأوائل الذين تخرجوا من مدرسة حقوق استانبول  الأستاذ المحامي عبد الرحيم ضياء من بغداد الذي  تخرج في العام1884 م والمحامي الياس رسام من الموصل الذي  تخرج 1885 م والأستاذ عبد الله عوني من السليمانية الذي شغل منصب معاون المدعي العام في حكارى تخرج في العام 1888 م والسيد موسى كاظم الباججي من بغداد الذي شغل منصب رئيس محكمة جزاء بيروت  وكذلك أصبح مديرا لمدرسة الحقوق العراقية فيما بعد تخرج 1888 م والمحامي كيروب ستيان من بغداد 1890 م والأستاذ محرم معمر من بغداد الذي شغل منصب معاون المدعي العام والذي تخرج في العام 1892  والمحامي نجيب حبيب من بغداد الذي تخرج في عام  1893 م (1) و الأستاذ حسن راجي الباججي المحامي  من بغداد  الذي تخرج في العام 1897 وهو من المحامين الكبار المعروفين ومن الأوائل الذين سجلوا في سجل المحامين بعد الاحتلال البريطاني  وان السجلات  تشير إلى انه قيد بتاريخ 6-2-1918م.(2)

إضافة إلى الكثير من الأسماء التي أصبحت ذا شأن عظيم في تأريخ العراق الحديث كأل السويدي، منهم ناجي رئيس وزراء العراق ومؤسس أول نقابة للمحامين في العام 1933 وتوفيق السويدي زعيم حزب الأحرار ورئيس وزراء العراق  وعارف وثابت وكذلك الأستاذ حكمت سليمان الذي أصبح أستاذا في الكلية فمديرا لها وارتقى في المناصب الوظيفية حتى أصبح رئيسا لحكومة العراق بعد انقلاب بكر صدقي 1936 وكذلك أخوه خالد سليمان وحمدي الباججي رئيس وزراء العراق في العهد الملكي  ونشأت السنوي الأستاذ في الكلية وعضو لجنة وضع القانون المدني العراقي 1942 وناجي شوكت رئيس الوزراء في العراق من أيلول 1932 إلى آذار 1932 وداود الحيدري النائب البرلماني ووزيرالعدلية عام 1942 وعميد أسرة آل الحيدري وداوود سمرة القاضي والمدرس في الكلية ونوري القاضي شقيق العميد منير القاضي وعضو لجنة وضع القانون المدني العراقي 1942 ونعيم زلخة وهو من أفاضل الطائفة اليهودية في بغداد ومن القضاة المعروفين، شغل منصب نيابة رئاسة محكمة بيروت  ورئاسة محاكم البصرة ، وأحد أعضاء مجلس النواب العراقي في العهد الملكي ، وكان من الأساتذة الحقوقيين، في كلية الحقوق، وعبد العزيز القصاب الذي شغل مناصب ادارية مهمة وأصبح وزيرا للداخلية في وزارة عبد المحسن السعدون الثانية 1926وشغل نفس المنصب في وزارة السعدون الثالثة، وكذلك أصبح وزيرا للداخلية في وزارة توفيق السويدي ووزير الري في وزارة السعدون الرابعة ووزارة العدل في وزارة ناجي السويدي ونائبا في البرلمان لخمس دورات ورئيسا لهيئة الوصاية على العرش عام 1947 وتوفيق الدملوجي وعاصم الجلبي واحمد عزت الاعظمي ومصطفى التكرلي ومحمد علي مصطفى وياسين العريبي وعبد العزيز المطير وعبد الله مظفر وغيرهم.(3)

المطلب الثاني

مدرسة حقوق بغداد العثمانية

1908 - 1914

إن كلفة السفر إلى اسطنبول التي لايقدر عليها إلا القلة وندرة وسائط النقل وصعوبة إدارة اللوازم الحياتية، هذه الأسباب رافقتها رغبة العراقيين في إنشاء مدرسه للحقوق في بغداد فظهرت تلك الفكرة التي أصبحت حقيقة بعد زيارة((اللجنة الاصلاحية)) إلى العراق برئاسة الإصلاحي الكبير ناظم باشا الذي قام بعد وصوله إلى العراق  بالتشاور مع كبار موظفي بغداد ووجهائها الذين اقترحوا عليه فتح المدارس اللازمة لتأهيل القانونين والإداريين في العراق فظهرت فكرة فتح مدرسه للحقوق في بغداد.

وفي 14/تموز /1908 صدرت الارادة السلطانية من الباب العالي بالموافقة على فتح مدرسة للحقوق في بغداد ولم تكن إجراءات فتحها بالأمر اليسير، فقد تراخى والي بغداد في تنفيذ الإرادة السلطانية مؤخرا فتح المدرسة بحجة عدم وجود بناية صالحة وأدى ذلك إلى سخط شعبي وخاصة بين شباب بغداد الذين بادروا إلى تحرير عريضة شكوى (4) إلى رئيس اللجنة الاصلاحية لحث والي بغداد على تنفيذ الإرادة السلطانية وكانت الأحداث السياسية التي تعصف بعاصمة الإمبراطورية العثمانية والتي نتج عنها اندلاع الثورة الدستورية في 23/تموز/1908 كانت كالريح العاتية التي عصفت بمختلف أرجاء الدولة العثمانية إلا ان الأقدار شاءت ان تجري تلك الريح بما تشتهي سفن بغداد فقد صدرت اراده سلطانية بتعين ناظم باشا رئيس اللجنة الإصلاحية واليا على بغداد وباشر الوالي الجديد أول أعماله بفتح المدرسة التي أطلق عليها(مدرسة الحقوق)يوم 1-9-1908 لتكون الرابعة في أرجاء الامبراطوريه العثمانية بعد مدرسة حقوق اسطنبول ومدرسة حقوق سيلانيك ومدرسة حقوق قونيه، وقد أسندت إدارتها إلى مدير معارف بغداد وكالة خليل بك حتى عين السيد موسى كاظم بك الباججي وهو من أوائل خريجي مدرسة الحقوق في اسطنبول مديرا لها.

وباشرت المدرسة باستقبال طلبتها وكان أول الطلبة المسجلين هو المرحوم محمود صبحي الدفتري(5) الذي برز اسمه فيما بعد في فترة الحم الملكي كأمين للعاصمة ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان.

كانت مدرسة الحقوق منبرا للثقافة القانونية وأداة مهمة لنشر الوعي الوطني ذلك الدور الذي سرعان ما أدركه الأتراك فيما بعد وقد بدأ يزرع الرعب في قلوبهم إذ ان ذلك الفكر الذي بدأت تنور به المدرسة العقول ربما يصل بالعراقيين إلى حد المطالبة بحقوقهم فبدأت محاولات إغلاقها التي بدأها أولا الوالي جمال باشا الذي أصبح واليا على بغداد يوم  26-8-1911 محتجا بالإصلاح، إلا انه تراجع عن فكرة إغلاقها  بعد الضغط الكبير والمعارضة التي نتج عنهما ضغط وسخط شعبي كان الأتراك في غنى عنه في تلك الفكرة الملتهبة من تاريخهم.

كانت مدة الدراسة أربع سنوات يقبل فيها المتخرجون من الدراسه الإعدادية وأجيز  للطلاب غير الحاصلين على شهادة الاعدادية الالتحاق بها بوصفهم طلابا مستمعين يحق لهم مواصلة الدراسة بعد اجتياز امتحان السنة الأولى وفي حالة إخفاقهم كان عليهم ترك المدرسة(6) وفي العام الدراسي التالي (1909-1910) تغير نظام قبول الطلبة المستمعين بموجب تعليمات جديدة صدرت من وزارة المعارف بأسطنبول فقد تقرر إجراء امتحان للطلاب المستمعين للتأكد من مستوياتهم العلمية قبل قبولهم في المدرسة كما تم إنشاء قسم خاص سمي بشعبة الاحتياط لغرض منح فرص لطلاب المدن التي لاتوجد فيها مدارس اعدادية وأكملوا تعليمهم في المدارس الرشدية فيتم قبول هؤلاء الطلبة بعد ان يمضوا في شعبة الاحتياط سنتين من الدرس يتلقون خلالها مواد تشبه إلى حد بعيد ما يتلقاه طلبة المدارس الاعداديه وأغلقت شعبة الاحتياط هذه بعد تخريجها دورة واحده فقط ومن المتخرجين منها المرحوم محمد زكي البصري الذي شغل منصب رئيس مجلس النواب في الثلاثينات.

كانت المناهج التي تدرس في المدرسة هي ذاتها في مدرسة حقوق اسطنبول والدراسة باللغة التركية تعتمد على كتب الاختصاص التي ترد من اسطنبول وكانت تلك المناهج عقبة في سبيل الدراسة باللغة العربية لصعوبة تعريب تلك المناهج وكانت الامتحانات تجرى بصورة شفوية بإشراف مدرس المادة المختص.

والمدرسون كانوا  من الصفوة  المعروفة بسعة الاطلاع في ذلك العصر منهم الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي ومفتي بغداد يوسف العطا الذي كان احد اعظاء مجلس المعارف وعارف السويدي ومحمد جودت وإبراهيم شوقي أفندي والشيخ نور الدين الشيرواني مدرس اللغة الفارسية في قسم الاحتياط  وحمدي البابجي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني قد اصبح الثلاثة الاخيرون قد أصبحوا فيما بعد من رؤساء الوزارات في فترة الحكم الوطني في العراق(7).

لقد جعلت إجراءات القبول التي جاءت نتيجة حتمية  هي ان مدرسة الحقوق الوحيدة التي تمنح فرصة للتعليم العالي في العراق وقد أدى ذلك إلى ان طلاب الدورات الأولى باتوا يشكلون نسيجا غير متجانس ضمت خريجي المدارس الاعدادية من الشبان كطلبة أصلين بجانبهم كهول وشيوخ بأزيائهم المختلفة وعمائمهم ولحاهم ومنهم حكام التحقيق وكتاب الضبط في المحاكم ورؤساء الكتاب في الدواوين، بلغ طلاب المدرسة(18) طالبا في عام 1910وفي عام 1911 تخرجت أول دفعة من هذه المدرسة وكان عدد طلبتها المتخرجين عشرة .(8).

قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت الكلية في ذروة تقدمها وقد بلغ خريجوها (المائة والخمسين) منهم حسن رضا وعبد العزيز الخياط ومحمد حسين البزركان وحمدي صدر الدين وقاسم ثروت وناجي الزهاوي ورؤوف الجادرجي شقيق الأستاذ كامل الجادرجي والذ ي شغل منصب مدير كلية الحقوق ووزير المالية في وزارة عبد المحسن السعدون1925 وقبلها كان من ضمن اللجنة  المكلفة بوضع الصيغة النهائية لدستور 1925 مع ((ناجي السويدي  وساسون حسقيل ويوسف غنيميه))وعبد الوهاب شاكر كمال الشامي وكان هؤلاء قد سافروا إلى استانبول لدخول الدورة التطبيقية لكنهم عادوا دون أن يتسنى لهم ذلك(9).

في اواخرعام 1914 وقبيل اندلاع الحرب العالمية أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة إضافة لإشغاله منصبا مهما وهو مدير معارف بغداد وهو أول عراقي يشغل هذا المنصب(10) وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى التي كانت الدوله العثمانية طرفا فيها قامت السلطات العثمانية بإغلاق الكلية واستدعت طلبة الصف الرابع فيها لأداء خدمة الاحتياط في معسكر ضباط الاحتياط في اسطنبول  وحينها وردت تعليمات من العاصمة التركية باعتبارهم متخرجين على طريقة الزحف منهم مزاحم الباججي السياسي المعروف في العهد الملكي وعمر نظمي وعبد العزيز الخياط وحمود جلال وحمدي الاعظمي وبهجة زينل السياسي والمحامي المعروف الذي ترأس نقابة المحامين في الأربعينات وجمال بابان ونصرة الفارسي الذي اسر في الحرب عام 1916 وبعد عودته للعراق تسلم مناصب إدارية وزارية عديدة كوزارة المالية 1933 ووزارتي الاقتصاد  والخارجية إضافة لعضويته لمجلس النواب والأعيان وهو ممثل العراق في عصبة الأمم من 1937-1938 ومحمد فائق ريزه لي(11).

ومن الطلبة الذين كانوا في الصف الأخير عند توقف الكلية إبراهيم كمال، محمد علي محمود، إبراهيم زهدي، احمد سامي، حسن سامي تاتار، عباس العزاوي، يوسف لوقا، إبراهيم الواعظ، محمد صدقي توفيق النائب، داود السعدي عبد الجبار جميل، كامل سعيد احمد نيازي، شوكت السعيدي، حوكي عنبر خلوصي الناصري مصطفى الخليل احمد طه مكي الاورفلي عبد الجبار التكرلي سليم معروف احمد الراوي، عبد الرزاق القاضي، محمود خيري النائب، خليل مردان، عبد القادر جميل محي الدين، توفيق فكرت، عبد الوهاب أفندي(12).

وان الكثير من طلبة  الكلية سواء ما ذكرناهم انفاً أو غيرهم قد أتموا دراساتهم فيما بعد سواء في اسطنبول أو غيرها وتخرجوا في نهاية الأمر.

المطلب الثالث

مدرسة حقوق بغداد في ظل الاحتلال البريطاني

1914 - 1921

في العام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى ودخل العراق أتون الحرب بعد ان اجتاحت القوات البريطانية البصرة في نفس العام فألغيت الكلية وتبعثر طلابها حتى وضعت الحرب أوزارها بعد أربع سنوات وخرجت بريطانيا من الحرب منتصرة ومحتلة لبقاع كبيرة من تركة الدولة العثمانية المنهزمة ومنها العراق وسرعان ما أعلنت السلطات البريطانية إعادة فتح الكلية(مدرسة الحقوق) لاهداف غير معلنة تمثلت بضرورة رسم صورة حضارية للوافد الأوربي الجديد في مواجهة الصورة القاتمة التي خلفتها الدولة العثمانية في العراق تلك الأهداف التي ظهرت للعلن عندما صرحت بها مس غيروترود لوثيان بيل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام في العراق عند تعليقها على حادثة فتح الكلية(( ان فتحها كان في محله لأن الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحقق لو لم تبذل جهدها في ان تهيئ على الأقل ماكان موجودا في معاهد التعليم العالي أيام العثمانيين))(13) إضافة لأهداف أخرى معلنه تمثلت في حاجة البريطانيين لتدريب الكوادر من العراقيين لشغل المناصب الادارية والقانونية التي كانت حكرا على الموظفين الإنكليز والهنود.

كانت بدايات افتتاحها ان بادر (الميجر همفري بومان) (14) مدير المعارف العمومية بنشر إعلان بتاريخ  31-7-1919 ،تضمن الإعلان نية الحكومة تأسيس وفتح ((مدرسة الحقوق في بغداد للمرة الثانية)) والقصد منها مساعدة الطلبة الذين لم يكملوا دروسهم بسبب الحرب، وان الكلية ستفتح على صفين فيما إذا راجع عدد من الطلاب للدخول في الصف العالي وهو يضم  الطلاب الذين أتموا عند نشوب الحرب مدة سنتين على الأقل قبل دخولهم الامتحان لإحراز الشهادة إضافة إلى شروط القبول الأخرى التي تضمنها الإعلان الذي نشر في جريدة (الموصل) أيضا وفي عددين، وفي يوم 7-11-1919  أعيد افتتاح الكلية رسميا وأقام ناظر العدلية حفل الافتتاح في دائرة العدلية بحضور وكيل الحاكم المدني وكبار الموظفين الإنكليز ورؤساء المحاكم وعلماء بغداد  وتضمن كلمته((أمله الوطيد برقي العراق العاجل وقرب بزوغ نجم تمدنه الآفل من عصور) والقى كل من جميل الزهاوي وعارف السويدي ومكي الاورفلي كلماتهم في الحفل وعين السيد  فوربس  رئيس محكمة الاستئناف في بغداد  مديرا فخريا للكلية(15).

أضحت الكلية في عصرها هذا مختلفة تماما عن مدرسة حقوق بغداد العثمانية في أمور منها مايتعلق بظروف بدايات التأسيس الجديد  فقد ضمت الكلية في بادئ الأمر صفين فقط ، انتمى إلى الصف الأول منها طلاب الصفين الأول والثاني من كلية الحقوق العثمانية ، في حين التحق طلاب الصف الثالث والرابع من كلية الحقوق العثمانية بالصف الثاني . بحيث أصبح عدد طلبة الكلية عند افتتاحها الثاني ( 45) طالبا ، 25 طالبا في الصف الثاني ، والبقية في الصف الأول مدة الدراسة فيها عند افتتاحها الثاني سنتين ، يتلقى الطالب محاضرات في الحقوق المدنية ، قانون المرافعات ، قانون العقوبات ، الطب القانوني ، الصكوك ، الحقوق الدستورية ، العلوم الاقتصادية، أحكام الأراضي والأوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والإدارية وقد ارتبطت الكلية بالسكرتير العدلي، من جهة أخرى لم تعد الدراسة فيها مجانية بل صارت مقابل أجور سنوية مقدارها  (150) روبية على ثلاثة أقساط ولكنه لم يعق الدراسة فقد كان الإقبال على الكلية كبيرا(16).

وأصبحت الدراسة باللغة العربية  وبرزت مشكلة وضع المناهج بلغة الدراسة تلك المشكلة التي تصدى لها أساتذة الكلية في ذلك الوقت ومنهم رشيد عالي الكيلاني وهو من خريجي المدرسة وأستاذ الحقوق والمرافعات الجزائية فيها فقد اخرج كتابه مسالك قانون العقوبات الذي نشره في العام 1923 وكذلك الأستاذ توفيق السويدي أستاذ( حقوق الرومان) الذي وضع كتابين مقررين الأول ( مباديء الاقتصاد ) الذي قام بترجمته عن الانكليزية والثاني ( حقوق روما) الذي تولى تأليفه بنفسه والأستاذ سليمان فيضي(17) (أستاذ الحقوق الدستورية وصك الحقوق) الذي وضع كتاب ((الحقوق الدستورية)) وهو مجموعة محاضرات سبق وان ألقاها على طلبة المدرسة  وكذلك ترجمته لكتابين الأول((الصلح) والثاني((القانون الأساسي الأمريكي)و((الفرنسي)).

إضافة لما ذكرناهم أعلاه فقد تألفت الهيئة التدريسية للمدرسة في تلك الفترة من الأستاذ عارف السويدي ونشأت السنوي((المجلة)) والشيخ امجد الزهاوي((المجلة والوصايا)) والأستاذ حكمت سليمان((المالية)) وعبد القادر السنوي ((حقوق الدول الخاصة)) وعبد الله ثنيان ((حقوق الاداره)) وخالد الشابندر ((صك الجزاء وقانون الأراضي)) وحسين أفنان ((الاقتصاد السياسي)) إضافة إلى ان المدرسة استعانت ولأول مرة بالأستاذ المصري احمد  حلمي بيك الذي كان يشغل منصب المعاون القانوني لوزارة العدلية، والقى على طلبة الكلية محاضرات في قانون العقوبات ومادة الاقتصاد.

تخرجت الوجبة الأولى من الكلية  بعد الافتتاح الثاني لها في 6 تموز 1920 بعد ان أتموا الصفين المقررين  ومن أبرز خريجي هذه الدورة عبد الجبار آل جميل وهو الأول في ترتيب الخريجين ، وداوود السعدي المحامي وعضو لجنة وضع القانون المدني ومكي الاورفلي ، والقاضي عبد الجبار التكرلي وعضو تمييز العراق  ومدير العدلية العام وعضو لجنة وضع القانون المدني تخرج من الوجبة الأولى 1920وإبراهيم الواعظ القاضي ورئيس محاكم الموصل في الخمسينات ورئيس هيئة التفتيش العدلي ورئيس الدائرة القانونية لجامعة الدول العربية في القاهرة في الخمسينات تخرج  1920 وتوفيق فكرت صاحب المؤلف  المعروف بـ (تقويم الموصل) لسنة 1311 هـ - 1893واحمد طه المحامي واحمد سامي المحامي  وحسين فهمي الباججي المحامي وعبد الله المؤيد النقيب المحامي وفائق الالوسي المحامي  وصالح مراد، وأقامت إدارة المدرسة حفل تخرج للخريجين حضره كبار المسؤولين في الدولة وعلى رأسهم السير بونهام كارتر والحاكم الانكليزي بي أج بيل والمستر فوربس رئيس محمكة استئناف بغداد ومثل الطلبة في الاحتفال داوود السعدي الذي القى كلمته، ومنح المتخرجون وكان عددهم عشرين شهادة الحقوق بعد أدائهم القسم.

ان الاحتفال رسميا بخريجي مدرسة الحقوق يمثل ذروة الاهتمام الرسمي بالتحصيل الجامعي بصورة عامة وبخريجي الحقوق خاصة وان الاحتفالات الرسمية استمرت بعدذلك حتى إنها صارت تقام في عهد الملك فيصل الثاني رحمه الله في القصر الملكي وكان آخرها في عام1956 . وفي مطلع السنة الدراسية 1920 ـ 1921  قررت ( وزارة) العدلية تمديد مدة الدراسة فيها وجعلها ثلاث سنوات  وأصبح شرط الحصول على شهادة الدراسة الثانوية لازما للقبول في المدرسة مع ان إدارة المدرسة قبلت المتخرجين من المدارس الثانوية الاهلية كمدرسة الترقي الجعفري العثماني ومدرسة الاليانس.

وفي حزيران من العام 1921 أي قبيل جلوس الملك فيصل الثاني على عرش العراق وبداية حقبة الحكم الوطني أعلن تخرج الوجبة الثانية ومن المتخرجين المرحوم حسن سامي تاتار عضو محكمة التمييز وعضو لجنة وضع القانون المدني، تخرج1920 ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري الذي أصبح وزيراً للاقتصاد وللداخلية، ورئيس وزراء العراق من 1952 ،  وعباس العزاوي المحامي والمؤرخ صاحب العديد من المؤلفات منها تاريخ العراق بين احتلالين  وعشائر العراق وعضو المجمع العلمي العراقي والمجمع العلمي العربي في دمشق وإبراهيم الواعظ القاضي ورئيس محاكم الموصل في الخمسينات، ويوسف فتح الله لوقا  وعبد القادر جميل وخليل مردان وإبراهيم صالح وشوكت السعدي وإبراهيم الالوسي كما أعلنت أسماء الناجحين في المدرسة والمقبولين فيها للسنة الدراسية 1921-1922  وهم قائمة تضمنت أسماء أصبحت فيما بعد ذات تأثير عظيم في تاريخ العراق الحديث.

المطلب الرابع

مدرسة الحقوق في ظل الحكم الوطني

1921 - 1936

بعد ولادة الدوله  العراقية الحديثة وتتويج فيصل ملكا على العراق ( 23آب 1921) ،وكانت الأحداث تسير بالمسار الذي تسير فيه مدرسة الحقوق ابتداء بوصول فيصل رحمه الله ملكا للعراق وهو الشغوف بالعلم والمحب للعراق والعراقيين وصولا إلى قدوم ((ديفيد ستون)) إلى بغداد في تشرين الأول من العام1921 وهو الحقوقي البريطاني ليحل محل السير بونهام كارتر سكرتيرا قضائيا للمندوب السامي البريطاني وانتهاء بتعيين السيد توفيق السويدي الذي كان يشغل منصب المشاور القانوني للحكومة العراقية في العام نفسه(1921) مديرا ((عميدا)) للكلية.

أصبحت كلية الحقوق واحدة من كليات( جامعة آل البيت)التي أسسها الملك فيصل الأول وكان قد أمر رحمه الله بتشكيل لجنة تأسيسية للجامعة بتاريخ 11 كانون الثاني 1922  لتضم ست كليات (دينية /طبية/هندسية/حقوق/آداب/ فنون)) وكان مشروع الجامعة متوافقا مع المشروع الذي وضعه مدير الأشغال العمومية (الميجور ويلسون)بخصوص موقع الجامعة وكان الأخير من المهتمين بالإعمار واختير موقع الجامعة في الاعظمية وعلى جهة نهر دجلة وبدأت الجامعة في 15 آذار 1924 عملها وعين الأستاذ فهمي المدرس أمينا عاما لها وهو الأبرز من بين مفكري العراق وكتابه والذي لم يأل جهداً في تنشيط وتفعيل دائرة عملها، وأصبحت شهادات كلية الحقوق تصدر عن جامعة أهل البيت.

إلا ان اصطدام مشروع الجامعة بالعديد من المعوقات - كالاختلاف في وجهات النظر - طفى إلى السطح مع ساطع الحصري الأمر الذي أدى الى ان يصدر نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك أمره بإلغاء الجامعة عام 1930 لتعود كلية الحقوق باستقلالها مرة أخرى.

برزت في تلك الحقبة العديد من المحاولات الجادة لإصلاح حال الكلية وتطريرها والجهود الكبيرة التي بذلها المرحوم توفيق السويدي منذ العام1921 كمدير للمدرسة فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية أدوين دراور ، فبعد نهاية العام الدراسي 1922-1923 أودعت الكلية تحت إشراف وزارة المعارف وانفك ارتباطها بوزارة العدلية.

وأهم خطوات السويدي في هذا المجال عند إشغاله وزارة المعارف  هي إصداره نظام الكلية بالرقم(10) في العام 1928 (18)وكانت الكلية حتى ذلك الحين قد خرجت 90% من مجموع الحاصلين على شهادة جامعيه في العراق.

 والقانون الذي سمي(( نظام كلية الحقوق)) يمكننا القول انه وبموجب هذا النظام وبعد مرور عشرين عاما على تأسيس الكلية تخلت الكلية عن اسمها القديم((مدرسة الحقوق)) رغم التناقضات التي وقع فيها النظام بخصوص عنوان  الكلية بسبب غياب هوية التعليم العالي الجامعي في العراق في حينه وخاصة في المادة 2 من النضام التي نصت على(( ان كلية الحقوق(مدرسة) عالية ولخريجيها جميع الحقوق والامتيازات الممنوحة لسائر المدارس العالية العراقية)).

لقد جعل النظام الدراسة في الكلية ثلاث سنوات يتلقى الطالب فيها(الحقوق المدنية والمجلة والأحكام الشرعية وأحكام الأراضي والمرافعات المدنية وحقوق التجارة والحقوق العقابية وحقوق الرومان والحقوق الدستورية والعلوم المالية وحقوق الدول والطب القانوني وأخيرا علم الاجتماع) وجاء النظام ليحل محل ماسبقه من تشريعات نظمت عمل الكلية، ونص المادة (45) من النظام الجديد(( لقد ألغيت جميع النظامات والأوامر والتعليمات العثمانية الصادرة فبل اليوم الثاني من كانون سنة 1920 فيما يخص كلية الحقوق وألغي ايضا نظام كلية الحقوق المؤرخ 1 كانون الثاني 1920 )).

 واستمرت محاولات إصلاح كلية الحقوق ومنها محاولات وزير المعارف المرحوم عبد الحسين الجلبي في أول وزارات نوري السعيد عن طريق دعوة ستة من الاساتذة المعروفين((رشيد عالي الكيلاني وحكمت سليمان وسامي شوكت وعبد الكريم الازري ونصرة الفارسي)) لإعادة النظر في نظام كلية الحقوق وقد نتج عن تلك الجهود تعديل نظام الكلية السابق بالنظام رقم 41 لسنة1932 (19) الذي  تضمن تعديلات مهمة منها المادة(8) التي حلت محل المادة 14 من النظام السابق وعدلت مناهج الدراسة بإضافة مواد(الدبلوماسية والطب العدلي والتاريخ السياسي ومقايسة القوانين المدنية(القانون المقارن) وكذلك المادة(10) التي عدلت المادة (16) من نظام الكلية رقم 10 لسنة 1928 واشترطت لقبول الطالب معرفته بإحدى اللغات الاوربيه(كالفرنسية والألمانية والانكليزية والايطالية)بمستوى المعرفة باللغة الانكليزية المطلوبة في الامتحانات العامة للدراسة الثانوية إذا كان غير متخرج من مدرسة ثانوية عراقيه ويثبت ذلك بشهادة وفي حالة عدم توفرها بامتحان.

إلا أن تلك الجهود قد اصطدمت بالكثير من المعوقات منها  مايخص الطلبة حيث ان الكلية تقبل الخريجين من الدراسة الثانوية(حسب المادة 16/د من النظام أعلاه) وهؤلاء كانوا قلة مما أدى إلى إعداد أناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، إذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية، ومعوقات أخرى تخص التدريسيين إذ لم يتوفر للكلية ملاك دائم ومتخصص للمدرسة، وإنما اقتصر الأمر على المحاضرين إضافة إلى معوقات تعود إلى حال الطلبة والاساتذة معا إذ ان الاثنين معا كانوا من موظفي الدولة غير متفرغين للدراسة بسبب انشغالهم بأداء وظائفهم وأدى هذا إلى ان يكون دوام الكلية (كما يروي (ساطع الحصري) مدير عام الآثار الذي كان يدير الكلية بالوكالة قبل قدوم المرحوم الدكتور السنهوري للعراق في العام 1935) يبدأ في الساعات الأولى من الفجر وينتهي قبل بداية أوقات العمل في الدوائر الرسمية حتى يستطيع المدرسون والطلاب الانصراف إلى وظائفهم في الأوقات المقررة لذلك(20).

ومن الذين تخرجوا في الكلية منذ بدايات فترة الحكم الوطني وتولوا فيما بعد أعلى المناصب السياسية والادارية والقضائية في العراق المرحوم منير القاضي أستاذ المجلة في الكلية والعميد تخرج في العام 1923 ـ1924 والمرحوم صالح جبر رئيس وزراء العراق في العام 1948 تخرج في الدورة الثالثة 1924 - 1925 والمرحوم عبد الوهاب مرجان رئيس وزراء العراق عام 1957 تخرج في العام 1932-1933   وعبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق عام 1965 تخرج عام 1933-1934 وطالب مشتاق وزير داخلية العراق في العهد الملكي تخرج عام 1923 -1924المرحوم جعفر حمندي قائمقام النجف ووزير المعارف بعد انقلاب بكر صدقي ونقيب المحامين عام 1948 تخرج عام 1924- 1925 والصحفي والأديب والمؤرخ طه الراوي الذي تخرج في العام 1924-1925والمرحوم نظيف الشاوي وزير الدفاع في العهد الملكي تخرج عام 1925-1926والقاضي والأديب أحمد الصراف صاحب العديد من المؤلفات منها عمر الخيام تخرج 1925-1926 ومكي الجميل متصرف لواء كربلاء 1950 وصاحب كتاب البدو والبداوة تخرج عام  1926- 1927  والمرحوم سعد صالح جريو رئيس حزب الأحرار ومتصرف لواء الحله والكوت و العماره ووزير الداخلية في وزارة توفيق السويدي 1946والنائب في البرلمان لأكثر من دوره تخرج 1924-1925، المفكر الكبير عطا أمين الدبلوماسي والأديب الذي تخرج في العام  1923-1924، والأستاذ عبود الشالجي المحامي والقاضي والعلامة الأديب صاحب موسوعة العذاب وجمهرة الأمثال البغدادية، و القاضي الفاضل  احمد القشطيني تخرج  1923-1924  والأستاذ المرحوم كامل الجادرجي(زعيم الحزب الوطني الديمقراطي) تخرج 1925 - 1926 والأستاذ المرحوم عبد القادر الكيلاني(من وزراء مايس 1941) تخرج في العام 1925-1926 والأستاذ نجيب الراوي الدبلوماسي والوزير نقيب المحامين في الأربعينات 1923-1924دورة 1925ـ1926 والمحامي المرحوم بدري السويدي احد أهم أقطاب المحاماة في العراق تخرج 1925- 26 19 وداوود نيازي المحامي ورئيس تحرير جريدة اظهار الحق التي صدرت في البصرة 1909 دورة 1926 ـ1927 والوزير وعميد الصحافة العراقية الكبير روفائيل بطي تخرج عام 1928-1929 والمرحوم جميل الاورفلي المحامي والوزير ومن المؤسسين لحزب الاتحاد الدستوري نهاية الأربعينات من القرن الماضي تخرج في العام الدراسي1929ـ1930  والمرحوم محمد شفيق العاني القاضي ورئيس محكمة التمييز وعضو المجمع العلمي العراق تخرج في العام 1930 - 1931المحامي والشاعر والأديب الكبير ((العراقي)) اليهودي أنور شاؤول  تخرج1930-1931(20).

المبحث الثاني

كـلية الحقوق

المطلب الأول

كـلية الحقوق في عهد الدكتور عبد الرزاق السنهوري

1935 - 1936

إن كلية الحقوق في بغداد هي أقدم وأول كلية للتعليم العالي الجامعي في العراق، ولدت قبل ميلاد الدوله العراقية الحديثة وتكاد تكون الإرث الحضاري الوحيد الذي حصل عليه العراق من الدولة العثمانية المندثرة وقد كانت الكلية إضافة إلى مايحويه العراق من مؤسسات وقوانين بحاجة للإصلاح لعدم مواكبتها للتطور الذي أصاب المملكة العراقية الفتية.

ونالت الكلية ذلك في العام 1935 نتيجة الدعوات الكثيرة في مجلس النواب للنهوض بالكلية، فقد بحث لجنة المعارف التوفيق بين الحلول المطروحة وهي استقدام أساتذة من الخارج أو إرسال الطلبة للدراسة في الخارج أو إلغاء الكلية نهائيا فقد استبعد المقترحان الثاني والثالث وتبنى المرحوم صادق البصام وزير المعارف الحل الأول وسافر إلى مصر وكانت لحظة القدر ان وافق المرحوم السنهوري على الحضور للعراق على رأس وفد علمي قانوني منهم الأستاذ زهير جزانة الذي اختص بتدريس القانون الدستوري والإداري والأستاذ عبده حسن الزيات الذي اختص بتدريس تاريخ القانون والقانون الدولي العام والأستاذ حسين فهمي الذي درس المالية والاقتصاد، واحتفظ السنهوري لنفسه بمنصب العميد إضافة لتدريس علم أصول القانون والقانون المقارن، ومن الأساتذة العراقيين الذين ضمهم السنهوري لكادر الكلية الشيخ امجد الزهاوي الذي اختص بتدريس مادة الأحوال الشخصية والمواريث والوصايا والمرحوم حمدي الاعظمي الذي قام بتدريس أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي والمرحوم منير القاضي الذي تخصص بتدريس مجلة الأحكام العدلية والمرحوم محمد زكي البصري الذي درس أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات والمرحوم داود سمرة الذي درس أصول المرافعات وقانون المحاكم الصلحية وقانون التنفيذ والمرحوم أنطوان شمس الذي تخصص بتدريس القانون التجاري والمرحوم يوسف الكبير  اختص بتدريس القانون الدولي الخاص.

والسنهوري الذي أمضى عشر سنين في تدريس القانون في مصر منذ حصوله على الدكتوراة في القانون من فرنسا في العام1926دون ان يتقلد منصب العميد جاء للعراق ليكون عميدا لكلية الحقوق تاركاً خلفه كل همومه ومشاكله(22) حاملا معه كل أحلامه وآماله وأفكاره ومهاراته العجيبة في التنظير والتخطيط للمستقبل.

باشر الدكتور السنهوري أهم خطوات الإصلاح بعد إصلاح المناهج وذلك باصدار نظام كلية الحقوق رقم 8 لسنة  1936 الذي حل محل النظام رقم(10) لسنة 1928 وتعديلاته الاربعة.

حيث أصبحت الكلية بموجب القانون الجديد كلية نظامية وفق الضوابط والمقاييس الاكاديمية العالمية وتضمن الباب الأول من النظام(المواد1- 8)الدرجات العلمية ومواد الدراسة حيث تعين حسب النظام نوع الشهادة التي تمنحها الكلية إذ نصت المادة الأولى منه على منح الطالب المتخرج درجة (الليسانس )في الحقوق  مع شهادة تبين نوع التخصص الذي اختاره الطالب سواء كان في العلوم القضائية أو الإدارية أو المالية(م1)وحدد النظام مدة الدراسة بأربع سنوات بعد ان كانت ثلاثاً(م2) وحددت لغة الدراسة باللغة العربية (م6) وان الدراسه تبدأ في تشرين الأول وتنتهي في مايس، وتنقسم السنة الدراسية لفصلين(المواد 7و8) ونظم الباب الثاني أعضاء الهيئة التدريسية وأقسام الكلية المواد (9-20) إذ حدد ملاك الهيئة التدريسية بثلاث مراتب، الأساتذة والأساتذة المساعدون والمدرسون (م9) وحددت المواد(10-12)شروط الحصول على الدرجة العلمية، وانشأ في الكلية خمس كراسي للأستاذية منها للشريعة الاسلامية والقانون المدني  وللقانون العام  ولقانون العقوبات وللاقتصاد السياسي (م16) وحضر النظام نقل أعضاء هيئة التدريس إلى وظائف أخرى إلا بموافقة مجلس الكلية (م14)ونظم الباب الثالث مجلس الكلية والادارة والتأديب(المواد21-28) إذ تناول ضمانات الهيئة التدريسية وإجراءات التأديب عند إخلال عضو الهيئة بواجبه وتناول الباب الرابع الطلبة(المواد 29-40)إذ تضمن شروط القبول وإجراءات التسجيل وأجور الدراسة والعقوبات التي تفرضها الكلية على الطلبة والباب الخامس (المواد41-57) تناول الامتحانات وإجراءاتها ومنح الشهادة أما الباب السادس والأخير فتضمن الأحكام الوقتية في المواد( 58-62)(23).

كان المرحوم السنهوري يسعى إلى جعل كلية الحقوق نواة لتأسيس جامعة بغداد على غرار الجامعة المصرية ذلك المشروع المهم الذي كاد ان يتحقق على يديه لولا معارضة ساطع الحصري الذي كان يشغل منصب مدير المعارف العام ويحظى بدعم وإسناد العائلة المالكة رغم جهود الكثير من السياسيين الذين دعموا السنهوري في مهمته كرئيس مجلس النواب محمد زكي البصري ورئيس الوزراء ياسين الهاشمي وزير المعارف صادق البصام ووزير العدلية رشيد عالي الكيلاني الذين استوعبوا من تجربة كلية الحقوق أفكار السنهوري في التعليم الجامعي باستقلاله العلمي الذي يوفر الروح الجامعية بين الأستاذ والطالب والتي لاتجعل من الجامعة مركزا لتلقي الدرس بل لمهام أعلى وأسمى، منها نشر الثقافة العليا في البلاد وخلق البيئة العلمية فيها تلك البيئة التي تتسع للبحث العلمي الحر فتشع نورا على كل من انتسب إليها أو دنا منها.

أخيرا انتهت سفرة السنهوري الأولى للعراق(24) وعاد للقاهرة بعد زرع النواة الأساس التي ستكون يوما ما الركيزة الأولى لجامعة عملاقة هي جامعة بغداد ولم تقتصر أفكاره المستقبلية عند هذا الحد بل انه اصطحب معه الطلبة الخمسة المتفوقين ليكونوا تحت إشرافه في القاهره ومنهم العلامة الدكتور صلاح الدين الناهي والمرحوم محمد طه البشير وعبد الرحمن حمود وعبد الرحمن البسام والذين أكملوا دراساتهم من تلامذة السنهوري أصبحوا فيما بعد عماد التعليم العالي في القانون ليس على نطاق العراق فحسب بل في كافة البلاد العربية(25).

المطلب الثاني

كلية الحقوق في عهد ما بعد الدكتور عبد الرزاق السنهوري

1936 - 1958

في السنة الدراسية التالية لمغادرة الدكتور عبد الرزاق السنهوري  1936  -1937 دخلت أول امرأة كلية الحقوق هي صبيحة الشيخ داوود، دلالة على تغيرات جذريه أصابت المجتمع العراقي وفي نفس السنة ترك الكلية وهو في السنة الثانية محمد صالح بحر العلوم  لضيق حالته المادية ولم يعد إليها أبدا ليصبح من أعمدة الشعر في العراق(26).

وقد جاء بخلافة الدكتور السنهوري العميد منير القاضي (27) أستاذ المجلة المعروف و كان ذا مكانة علمية يحظى برضا الجميع ومنهم السنهوري نفسه وان الصفحة التي بدأها هذا الأخير لم تنطو أبدا واثاره لن تنمحي، فبعد انتخابه بالإجماع عميدا لكلية الحقوق في الجامعة المصرية حال وصوله لمصر  احتفل طلبته وزملاؤه من الأساتذة في العراق بهذا المنصب وتلقى السنهوري التهاني من العراقيين قبل المصريين وهذا يدل على ان التقاليد الجامعية بدأت تدخل العراق شيئا فشيئا رغم عدم وجود جامعة حتى ذلك الوقت في العراق لكن الأحداث كانت تبشر باقتراب مولد جامعه عملاقه هي جامعة بغداد وكان طلبة كلية الحقوق قد عرفوا مثل تلك التقاليد يوم نظموا احتفالهم في حديقة مود في العام 1925 احتفاء بتولي احد أساتذة الكلية أول منصب وزاري بحضور نائب المندوب السامي وسكرتيرته للشؤون الشرقية المس بيل وأستاذ الكلية  المحتفى به هذا جعل كلية الحقوق في قلب أهم الأحداث في تاريخ العراق وبالتحديد يوم قاد حركة 2 مايس 1941 وما شهده العراق بعدها من أحداث وتطورات (28).

وقد شهد عقد الأربعينات اضطرابا سياسيا تراجعت فيه الأحداث في العراق كما في العالم كله ولكن أحداث كلية الحقوق على عكس المعتاد قد سارت نحو الأمام بفضل حدثين مهمين في تلك الحقبة وهما  لجنة وضع القانون المدني العراقي التي باشرت أعمالها مجددا برئاسة المرحوم السنهوري الذي عاد للعراق مجددا ولم تكن كلية الحقوق بعيدة عن تلك المهمة فغالبية أعضاء اللجنة هم أساتذتها أو طلبتها الذين خرجوا من خلف مقاعدها أما الحدث الثاني فهو عودة طلبة كلية الحقوق الذين ذهبوا في العام 1936 وقد انهوا تحصيلهم الجامعي بحصولهم على شهادة الدكتوراه ليكونوا من أساتذة الكلية الذين ساروا فيها نحو أعلى مراتب المجد كالدكتور صلاح الدين الناهي والدكتور حسن ذو النون وقد خرج من الكلية من أصبحوا فيما بعد من رجالات العراق المعروفين، منهم القاضي الأستاذ ضياء شيت خطاب رئيس محكمة تمييز العراق 1979-1982 تخرج عام 1940 -1942 ود0 أكرم نشأت إبراهيم الذي حصل على الدكتوراه فيما بعد من جامعة القاهرة وأصبح أستاذا في الكليه، تخرج في العام 1949 - 1950والمحامي كامل قزانجي احد أهم رموز حركة أنصار السلام والذي اعدم في أحداث حركة الشواف في الموصل عام 1959 تخرج  1942-1943 والصحفي خالد الدرة  صاحب مجلتي الوادي والاتحاد، تخرج في العام الدراسي 1941-1942 والمرحومة صبيحة الشيخ داوود أول امرأة تدخل كلية الحقوق تخرجت عام 1939-1940 والمحامي عطا عبد الوهاب السكرتير الخاص بالملك فيصل الثاني 1943-1944 والمحامي جواد هبة الدين الشهرستاني الصحفي مدير جريدة الحارس 1952م  وصاحب جريدة الأنباء الجديدة 1954 م  ومديرها المسؤول، تخرج في العام الدراسي 1945-1946 والأديب خالد الشواف رائد المسرحية في العراق، تخرج في العام 1947-1948 والشاعر البصري الكبير محمود البريكان الذي دخل الكلية في العام 1947 وتركها بعد سنتين وعاد ليتخرج منها في العام 1963والأديب والقاص والروائي المرحوم فؤاد التكرلي، تخرج في عام 1948- 1949 والفنان المسرحي يوسف العاني 1949 - 1950   والصحفي والكاتب عبد الكريم الجدة، تخرج 1950-1951 والصحفي احمد فوزي عبد الجبار صاحب العديد من المؤلفات، منها أشهر الاغتيالات السياسية في العراق، وكتاب أشهر المحاكمات السياسية في العراق سيرة وحكايات عن 6 رجال فكر وقانون صاحب جريدة الجريدة سنة 1953 ، تخرج عام 1951-1952 والفنان الرائد نزار سليم شقيق جواد سليم، تخرج في العام1951-1952والشاعر علي الحلي، تخرج عام 1951-1952 والمحامية قمرية البربوتي وهي الطالبة الأولى من النساء التي تتفوق على الجميع وتتخرج الأولى في دفعتها في العام 1953-1954.

المطلب الثالث

 كلية الحقوق في عهد العراق الجمهوري

1958 - 2008

شهد عقد الخمسينات كسابقه حادثتين مهمتين الأولى  تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 وانخراط كلية الحقوق تحت لواء الجامعة الفتية إذ أصبحت جزءاً من الخطة التعليمية في العراق والثاني هو قيام ثورة 14 تموز1958 التي بدأ العراق بعدها عصرا جديدا وشهد تحولات جذريه كانتهاء حقبة الحكم الملكي و((إبادة)) معظم أفراد العائلة المالكة ومنهم ملك العراق المرحوم فيصل الثاني الذي رعى آخرحفلات تخرج طلبة الكلية الرسمية والتي أقيمت في القصر الملكي عام 1956وانتهاء حلف بغداد ومعه آخر وزارات العهد الملكي التي شكلها احد خريجي الكلية وهو المرحوم احمد مختار بابان، ويمكننا القول ان الكلية وعلى طول امتداد تاريخها لم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الاوراق المتساقطة

كتبها lawyer abd aljaleel alasadi abd ، في 9 كانون الثاني 2012 الساعة: 13:51 م

———————————————الاوراق المتساقطة

كتبهاlawyer abd aljaleel alasadi abd، في 8 January 2012 17:09 PM———————————————

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb